السيد كمال الحيدري

89

الإنسان بين الجبر والتفويض

ب . أدلّة الإثبات هناك ما يشبه الإجماع في الساحة الفكرية على أنّ المعتزلة هم رادة العقل والعقلانية في حياة المسلمين « 1 » . في ضوء ذلك نترقّب من المعتزلة أن تقدّم استدلالًا عقلياً على مذهبها في الأفعال . في الحقيقة : رغم تعدّد الصيغ التي قرّر بها المعتزلة دليلهم العقلي ، فإنّ بنية هذا الدليل تعود إلى نظريتهم في أنّ حاجة الممكن أو الفعل إلى الفاعل إنّما تكمن في حدوثه وحسب . إذا كان الأمر كذلك فهو مستغنٍ بعد الحدوث عن الفاعل . وهذا ما ينسجم مع مرتكزات الفكر الاعتزالي الذي آمن بدءاً بنظام السببيّة وقانون العلّة والمعلول . إذا ما آمنّا - تبعاً للمعتزلة - بأنّ سرّ حاجة الممكن إلى العلّة يكمن في حدوث الفعل فقط لا في حيثيّة أخرى وملاك آخر ، فمن الطبيعي أن لا يكون الفعل بعد حدوثه بحاجة إلى الفاعل وإلى العلّة الموجدة . على هذا نسبوا إلى المعتزلة قولهم : إنّ المعلول يحتاج إلى العلّة حدوثاً لا بقاءً ، على اعتبار أنّه إذا ما وجد وحظي بالدخول في عالم الوجود ، فسيكون مستغنياً عن العلّة . لقد استعان المنطق الاعتزالي في إثبات دعواه بعدد من الأمثلة

--> ( 1 ) انظر : المسار الثقافي بين الإمامية الاثني عشرية والمعتزلة ، رسول جعفريان ، ترجمة جواد علي كسّار ، مؤسسة الثقلين الثقافية ، بيروت ، 1421 ه - ، 2001 م ، مقدّمة المترجم ، ص 3 - 38 .